الجزء الثاني: أودينيزي ونموذج أعمال عائلة بوتزو

Abdullah Alabdulhadi

يونيو 5, 2025

نموذج أعمال أودينيزي وعائلة بوتزو هو دراسة حالة رائعة في كرة القدم الحديثة، يُعجب به كثيرًا، يُنتقد أحيانًا، لكنه بلا شك فريد من نوعه في نجاحه المستمر في اكتشاف وتطوير المواهب.
نموذج أعمال بوتزو: الكشف، التطوير، و”الإمبراطورية”
جوهر نموذج بوتزو كان دائمًا شبكة كشف مواهب متطورة وواسعة النطاق. على مدار عقود، كان أودينيزي في طليعة الأندية التي تكتشف المواهب الشابة، وغالبًا المغمورة، من جميع أنحاء العالم – أمريكا الجنوبية، أفريقيا، أوروبا الشرقية، وما وراءها. الفلسفة بسيطة: شراء اللاعبين بأسعار منخفضة، تطويرهم، توفير منصة لهم في الدوري الإيطالي (واحد من أصعب الدوريات في العالم)، ثم بيعهم بأسعار مرتفعة.
يُعاد استثمار هذه الإيرادات في شبكة الكشف، وبنية النادي التحتية، وجذب مواهب جديدة. رغم أن بعض النقاد يرون أن هذا النموذج يعطي الأولوية للربح على طموحات الأداء داخل الملعب، فإنه أبقى أودينيزي منافسًا في الدوري الإيطالي خلال معظم فترة ملكية عائلة بوتزو، وهو إنجاز ملحوظ لنادٍ يمتلك قاعدة جماهيرية وإيرادات صغيرة نسبيًا مقارنةً بالعمالقة الإيطاليين.

ظهر مصطلح “الإمبراطورية” عندما استحوذت عائلة بوتزو على أندية أخرى، أبرزها واتفورد في إنجلترا، ولوقتٍ ما غرناطة في إسبانيا. سمح هذا النموذج المتعدد الأندية بتحقيق تآزر بين الأندية: حيث يمكن نقل اللاعبين بين الأندية لمساعدتهم في التطور، التكيف مع دوريات مختلفة، أو زيادة قيمتهم السوقية. قد يبدأ اللاعبون الواعدون الذين يكتشفهم فريق الكشف في أودينيزي، ثم ينتقلون إلى واتفورد إذا كانوا يناسبون الدوري الإنجليزي الممتاز، أو العكس. هذا خلق منصة أوسع لسلسلة المواهب وقدم المزيد من الفرص لتبادل وتطوير اللاعبين.
جيامباولو “الرئيس المشجع” مقابل جينو “رجل الأعمال الذكي”
يُنظر إلى جيامباولو بوتزو، المؤسس والرئيس، من منظوري ومن منظور العديد من المشجعين على أنه “الرئيس المشجع” النموذجي. فقد تميزت فترة ولايته الطويلة منذ استحواذه على أودينيزي عام 1986 بشغف عميق للنادي. شهد أوقاتًا مبهجة مثل التأهل للمسابقات الأوروبية، وأوقاتًا صعبة مثل معارك الهبوط، وكان يظهر ارتباطًا عاطفيًا واضحًا مع المشجعين.
أسلوب إدارته، خاصة في السنوات الأولى، كان أكثر تدخلاً وربما أكثر عاطفية فيما يتعلق بالاحتفاظ باللاعبين أو بيعهم. قصة انتقال د’أغوستينو مثال على ذلك. كان غايتانو د’أغوستينو، لاعب وسط مهم، مرتبطًا بشدة بالانتقال إلى أندية أكبر مثل يوفنتوس وريال مدريد بعد مواسم رائعة. كان جيامباولو بوتزو معروفًا بموقفه الصلب في المفاوضات، حيث وضع سعرًا مرتفعًا لم يُلبَّ في النهاية، وبقي د’أغوستينو في الفريق، مما أسعد الكثير من المشجعين في ذلك الوقت، رغم أن البعض قد يرى أن فرصة بيع مربحة ضاعت.
هذا أظهر رئيسًا مستعدًا للاحتفاظ بنجومه إذا لم تُلبَّ قيمتهم، مما يعكس توازنًا قويًا في الدور بين السماح لجميع اللاعبين بالذهاب لأفضل عرض أو البقاء في الفريق.

يُعتبر جينو بوتزو، ابنه، على نطاق واسع المهندس لنموذج الأعمال الحديث، القائم على البيانات، وربما الأكثر براغماتية، خاصة في توسيع شبكة الأندية المتعددة. يُنظر إليه كرجل أعمال حاد الذكاء والدهاء، قام بتحسين نموذج الكشف عن المواهب وتجارة اللاعبين إلى فن راقٍ.
إحدى القصص التي يُستشهد بها كثيرًا هي دوره في انتقال أليكسيس سانشيز إلى برشلونة. بينما كان من الممكن أن يميل جيامباولو إلى التمسك بمبلغ أعلى رغم رغبة اللاعب في الانضمام إلى برشلونة أو الاحتفاظ بهذه الموهبة الواعدة، يُقال إن جينو لعب دورًا رئيسيًا في ضمان إتمام الصفقة بسلاسة، معترفًا بالوقت المناسب للبيع بسعر مرتفع، مما مَوّل بعد ذلك موجة المواهب التالية. وهذا أظهر نهجًا أكثر حسابًا وتركيزًا على الأعمال أولاً.
كما أظهر أسلوب إدارة جينو في واتفورد فهمًا حديثًا لعلاقات اللاعبين. على سبيل المثال، سماحه لحارس المرمى بن فوستر، وهو لاعب رئيسي، بإدارة قناته الشهيرة على يوتيوب (“The Cycling GK”)، التي تضمنت لقطات من وراء الكواليس في يوم المباراة، كان خطوة تقدمية. أظهر هذا فهمًا للإعلام الحديث وبناء علامة تجارية للاعب، وهو أمر ربما كان أقل تقليدية ومختلف تمامًا عن توازن أدوار والده.

الابتكار: تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، تقنية خط المرمى، والتفكير المستقبلي
لم تكن عائلة بوتزو ونادي أودينيزي مبتكرين فقط في مجال اكتشاف المواهب، بل أيضاً في تبني تقنيات كرة القدم الحديثة. كان ملعب أودينيزي من أوائل الملاعب في إيطاليا المزودة بالكامل بتقنية خط المرمى. علاوة على ذلك، تشير التقارير إلى أن النادي وعائلة بوتزو كانوا من الداعمين والمناصرين الأوائل لتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، حيث رأوا في هذه التقنية إمكانية تحسين العدالة في المباراة.
هذه الرغبة في الاستثمار وتبني التقنيات الجديدة، حتى قبل أن تصبح شائعة أو إلزامية، أظهرت توجهًا مستقبليًا يهدف إلى تطوير اللعبة وتحسينها.

يفتخر نادي أودينيزي بواحد من أكثر الملاعب حداثة وملاءمة للجماهير في إيطاليا، والمعروف حالياً باسم ملعب بلونرجي (Bluenergy Stadium). أشرفت عائلة بوتزو على إعادة تطوير كبيرة، حيث حولت ملعب ستاديو فريولي القديم إلى منشأة متطورة ومملوكة ملكية خاصة. إنه ملعب مستطيل ومغطى، يقرب الجماهير من أرض الملعب ويوفر رؤية ممتازة ومرافق متكاملة، وهو أمر نادر في كرة القدم الإيطالية التي يلعب فيها العديد من الأندية في ملاعب قديمة مملوكة للبلديات.
بعيداً عن تجربة الجماهير، هناك التزام واضح بالطاقة الخضراء والاستدامة البيئية. يضم الملعب العديد من الميزات الصديقة للبيئة، بما في ذلك الألواح الشمسية وأنظمة توفير الطاقة. هذا التركيز على الاستدامة يتماشى مع أخلاقيات العمل الحديثة والمسؤولة، ويعكس اهتمامات عائلة بوتزو الأوسع في المبادرات الخضراء. وهو شهادة على الرغبة في بناء ليس فقط نادي كرة قدم ناجح، بل منظمة مسؤولة ومتطلعة للمستقبل.

اترك تعليقاً